التاريخ: 19/02/2015
بسم الله الرحمن الرحيم ،أصحاب المعالي والسعادة ،حضرات السيدات والسادة ،السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اسمحوا لي في البداية أن أشيد، باسم منظمة التعاون الإسلامي، بعقد هذا المؤتمر حول "مكافحة التطرف العنيف"، وأن أعرب عن التقدير لما طرحته الولايات المتحدة الأمريكية من إجراءات ووسائل في هذا السياق بغية مناقشتها وإثرائها في اجتماع اليوم. فالاتفاق على الإجراءات والوسائل أمر بالغ الأهمية إذا أردنا العمل معا ودعم بعضنا البعض في التصدي لظاهرة "التطرف العنيف" على نحو مفصل ومحدد. إلا أنه من المهم أيضاً، بل لعله الأكثر أهمية والخطوة الأساس، أن نصل إلى فهم واضح لجذور الإرهاب، والتيارات التي تموج في داخله، والأفكار التي تشكله. وفهم تلك اللحظة التي يتحول فيها الفرد إلى "إرهابي". وأن نتوقف لبرهة لنسأل أنفسنا عن كل هذا العنف والتطرف الذي ينمو ويتفاقم ويسود عالمنا؛ من أين حل بنا، وما هو ذاك الذي فعلناه بالعولمة ليتخللها العنف والتطرف على هذا النحو؛ وماذا حل ب "قريتنا الواحدة" لتصبح حقوق الإنسان فيها، حتى الأساسية منها، مرهونة بالإزدواجية والمزاجية ؟ والمجال ليس مجال مناظرة لا تنتهي، ننشغل فيها بالبحث عن "آخر" نحمله مسؤولية تفشي "التطرف العنيف"، لأن ذلك في الحقيقة هروب من البحث عن مرفئ يجيب عن السؤال؛ إذ لا مناص من محاسبة الذات الوطنية، والأيدلوجية، والدينية لنضع اصبعنا على ذلك "الثقب الأسود" الذي بداخل كل منا، جميعا وبلا استثناء؛ ومن تفكيك خطابات الهيمنة، والاحتلال، والتطرف التي توظف الدين، والإيديولوجيا، ومزاعم التفوق الحضاري لإضفاء الشرعية على أعمال العنف والتضليل التي تقترفها، إن أردنا طريقا للخلاص . وأؤكد لكم أن منظمة التعاون الإسلامي ملتزمة بمكافحة الإرهاب و "التطرف العنيف"، وتتمسك بموقفها المبدئي ضد الإرهاب بجميع أشكاله وتجلياته، مهما كان من اقترفه وحيثما وقع، وتجدد التأكيد على رفضها القاطع لجميع محاولات ربط الإرهاب بأي بلد أو جنس أو دين أو ثقافة أو جنسية. وتعتز المنظمة بسجلها الحافل والطليعي في التصدي "للتطرف العنيف" كما تنص على ذلك مواد ميثاق المنظمة المتعلقة بالإرهاب والتطرف وتعزيز الوسطية، وصكوكها القانونية ذات الصلة، ولاسيما مدونة قواعد السلوك حول مكافحة الإرهاب الدولي التى تم إقرارها في عام 1994؛ ومعاهدة منظمة التعاون الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي للعام التي أقرت عام 1999. وترى منظمة التعاون الإسلامي أن التصدي "للتطرف العنيف" لا يمكن أن يتحقق بالوسائل الأمنية والعسكرية وحدها، بل لابد من فهم وتحليل وتقصي ومواجهة الأبعاد المتعددة لهذه الظاهرة، وفي مقدمتها السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي توفر الظروف المواتية لتفشي الإرهاب والتطرف العنيف، مثل الحرمان الاقتصادي، والإقصاء، والاستلاب، والتهميش، والتفكيك القسري للمؤسسات السياسية والقانونية والأمنية والاجتماعية والثقافية. كما أن المنظمة تتبنى موقفا يؤكد على ضرورة الإقرار والاعتذار عن الظلم الذي لحق بالشعوب التي عانت تحت جور الاستعمار؛ و أن حرمان الشعوب التى مازالت تحت الإحتلال، من حقها في تقرير مصيرها لابد أن ينتهي. كما تثير المنظمة الانتباه إلى ضرورة بحث احتمال اختراق جهات خارجية للجماعات الإرهابية والمتطرفة وتوجيهها لخدمة أجنداتها السياسية الخاصة؛ وإلى أن ننظر إلى أي حد ساهمت التغطية الإعلامية الرعناء والمتحيزة إيديولوجيا في توسيع الهوة بين الأديان والثقافات والأجناس والمجموعات العرقية، وإلى أسباب ظهور الإرهاب الإلكتروني مع استخدام المجموعات الإرهابية لتكنولوجيات المعلومات والاتصال الجديدة. وفي إطار الجهود الحثيثة التي تبذلها المنظمة لمواجهة "التطرف العنيف"، عقدت اللجنة التنفيذية للمنظمة اجتماعا طارئا يوم 15 فبراير من هذا العام. وتضمن البيان الختامي للاجتماع الإتفاق على بعض الخطوات والبرامج المحددة لتعزيز مساعي المنظمة الرامية إلى التصدي للتطرف العنيف؛ منها: - العمل على تفعيل المركز الدولي لمكافحة الإرهاب التابع للأمم المتحدة لتنسيق الجهود العالمية لمكافحة هذه الآفة؛ وتعمل المنظمة مع المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب للأمم المتحدة لعقد اجتماعها الثاني حول "مكافحة التحريض على الإرهاب" بالتنسيق مع مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في فيينا بالنمسا. - عقد اجتماعات للخبراء لبحث سبل ووسائل تشديد إجراءات الأمن الإلكتروني على نحو عاجل، مع مراعاة احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وسيادة القانون. - العمل في مناطق النزاع الطائفي لبلورة مقاربة جديدة للتصدي لأسباب العنف الطائفي ومعالجتها. ولهذا الغرض، تعمل المنظمة على استكمال التحضير لعقد "اجتماع مكة الثاني" بين زعماء الطائفتين الشيعية والسنية في العراق. - بحث سبل تمكين الشباب لتجنب استغلالهم من طرف الجماعات الإرهابية، وتحصينهم ضد خطر التجنيد والتطرف. وتستعد المنظمة لإطلاق برنامج "رسل السلام"، وهو برنامج لتمكين الشباب عن طريق مؤسساتها المنتمية التي تعنى بقضايا الشباب. - عقد، من خلال مجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي يعد واحدا من أجهزة المنظمة، سلسلة من الاجتماعات والندوات والحلقات الدراسية وورش العمل تجمع بين علماء الدين والمثقفين وعلماء الاجتماع لتفكيك خطابات العنف والتطرف، وربط ما تخلص إليه تلك اللقاءات بشبكات الوسط الأكاديمي والمجتمع المدني في الدول الأعضاء. - مد الجسور مع الجماعات والمجتمعات المسلمة خارج الدول الأعضاء في المنظمة لإبراز قيم الاعتدال والوسطية والعدل والمساواة والتسامح التي يدعو إليها الإسلام. وعلاوة على ذلك، بدأت المنظمة بالفعل، بصفتها أحد مؤسسي "شبكة صناع السلام الدينيين والتقليديين"، في صياغة مشاريع قطرية لتحديد الأسباب الجذرية لتطرف الشباب ومعالجتها. كما تشارك في إعداد مشاريع ترمي إلى بعث الأمل في الأجيال القادمة بتنفيذ مشاريع للتمويل الأصغر، وإنشاء "صندوق للثقافة" في البنك الإسلامي للتنمية لتوفير الفرص للفنانين والمبدعين الشباب للتعبير عن أنفسهم، إيمانا بأن إيجاد متنفسات للإبداع يساهم بدوره في مكافحة "التطرف العنيف". وفي الأخير، اسمحوا لي أن أنهي كلمتي بالتأكيد على أن المسلمين هم من بين أكثر المتضررين من "التطرف العنيف". ويعاني المسلمون من ويلات تلك الجماعات التي رهنت الإسلام بقراءاتها المجتزأة والغرائيبية والضحلة للنصوص الدينية؛ في ذات الوقت الذي يتعرض المسلمون فيه للإتهامات المؤدلجة، ولإدعاءات الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة، ولأصوات الإسلاموفوبيا وكلها تشوه صورة الإسلام والمسلمين وتحملهم وزر ما يعانيه العالم من ويلات. كما كان المسلمون هدفا تاريخيا وآنيا للاستعمار التقليدي، والاستعمار الجديد والخطاب السياسي لليبيرالية الجديدة. لهذا فإن منظمة التعاون الإسلامي تقف في الصفوف الأولى في كل جهود مكافحة "التطرف العنيف" بأبعاده وسياقاته المتعددة، ومصادر دعمه، وجذور خطاباته. وفي هذا الإطار، تؤيد المنظمة بحزم قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 16/18، وتؤكد استمرار عملها الجاد والدءوب، مع شركائها، بمن فيهم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، من أجل تنفيذ أحكامه . ومرة أخرى، شكرا لكم على عقد هذا اللقاء الذي سيكون منطلقا فاعلا ومؤثرا لو تمكن من توحيد رؤانا، وإقرار مسؤوليتنا ودورنا الجماعي في مكافحة الخطر الذي يحيق بنا ويتهدد عصرنا، خطر الهيمنة، والتطرف العنيف، والإرهاب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته