التاريخ: 05/12/2014
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى رسله أجمعين. دولة الدکتور إسحاق جهانگیري، النائب الأول لرئیس الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة، معالي السيد علي جناتي، وزير الثقافة والإرشاد في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رئيس الاجتماع، أصحاب المعالي والسعادة الوزراء ورؤساء الوفود، الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يسعدني أن أشارك في الترحيب بكم في هذا المؤتمر العاشر لوزراء الإعلام في منظمة التعاون الإسلامي هنا في طهران، المدينة الإسلامية العريقة. وبداية لابد من توجيه الشكر والتقدير للإخوة في جمهورية الجابون على ما بُذل من جهد وأنجز من عمل خلال ترأس الجابون للدورة التاسعة لهذا المجلس الوزاري على مدى السنتين ونصف السنة الماضية. كما أتقدم بالشكر إلى معالي السيد علي جناتي والإخوة المسؤولين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لاستضافتهم الدورة العاشرة لهذا المجلس الوزاري، ولما أُحطنا به جميعاً من حفاوة وترحيب وحسن استقبال وترتيب واستعداد لهذا الاجتماع. والشكر موصول لكم جميعاً على حضوركم ومشاركتكم في هذا الاجتماع الذي نأمل أن يكون في مداولاته وتوصياته إضافة محسوسة وفارقة للعمل الإعلامي الإسلامي المشترك. أصحاب المعالي والسعادة، الإخوة والأخوات، نجتمع اليوم في طهران وأمتنا الإسلامية تواجه أكثر من تحد لاستقرارها وأمنها وجهود تنميتها بل ولهويتها وثقافتها وأسلوب حياتها؛ بعضها سياسي والآخر اقتصادي وآخر يتعلق بالبحث العلمي والتعليم والفعل الثقافي والعون الإنمائي؛ لكن اجتماع اليوم يتوجه نحو التحدي الذي يواجه خطابنا الإعلامي، ومؤسساتنا الإعلامية والأطر التي تحكم حراكنا الإعلامي مقدرة، وهامشاً وتكاملاً. ولعل من أول ما يستدعي النظر والاهتمام هو خطاب التطرف الذي وجد طريقه إلى بعض مجتمعاتنا، وتمكن من استمالة بعض من شبابنا تحت شعارات تتوسل بالإسلام، وما هي من الإسلام في شيء، بل وتشكل في مجموعها أكبر إساءة وتشويه للإسلام ومبادئه وثقافته ومدنيته. هذا الخطاب المتطرف، لا محيص لنا من مواجهته وتفكيكه ومعرفة أرضيته، ومناخه في سياقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية. كما لابد لنا أن نعمق البحث عن تلك القوى التي تجد في هذا الخطاب المتطرف، وفي صورته التنظيمية وفي هالته الإعلامية ما يخدم أغراضها وسياساتها وأهدافها. ولعل من المشروع لنا أن نتساءل أمام هذه الصفوة من القيادات الإعلامية في الدول الأعضاء بالمنظمة التي تتجسد فيها الأمة الإسلامية، كيف هو تعامل خطابنا الإعلامي مع طروحات التطرف والغلو والانحراف؟ هل استطاع إعلامنا أن يتابع ويبين ويشرح ويغطي هذه الظاهرة كما ينبغي لها أن تتابع؟ هل استطاع إعلامنا أن يكوّن الكوادر الإعلامية التي تستطيع أن تفهم وتتابع وتكشف هذا الطرح الهادر للعنف والقتل والتوحش باسم الإسلام، بصورة تحليلية موضوعية وميدانية؟ أم أن إعلامنا ظل أسير التفسير السياسي الضيق لها ولمدلولاتها؟ أصحاب المعالي والسعادة، الإخوة والأخوات، لقد وفر خطاب التطرف والعنف الذي يهدف إلى استلاب الإسلام وتملكه، من توفير الوقود والمؤونة والذخيرة لخطاب الكراهية ضد الإسلام أو ما اصطلحنا على تسميته بالإسلاموفوبيا. وتيار الكراهية للإسلام يسري في أوصال وعقول وأيدلوجيات أحزاب سياسية في أكثر من بلد في هذا العالم. وهو تيار يرى أن الإسلام في ذاته عاجز عن تقديم تفسيرات لقضايا العصر الذي نعيشه، وأننا كمسلمين نقع خارج التاريخ وبعيداً عن التطور المجتمعي والسياسي والعلمي والحضاري؛ وأن المسلمين، أي نحن، من حيث كونهم مسلمين، لا لأي أسباب موضوعية أو تاريخية، سمتهم التخلف والعجز وضيق الأفق والركود والببغائية. وخط المواجهة الأول مع خطاب الكراهية هذا، هو خطابنا الإعلامي. وقد يكون من المناسب أن ننجز تحليلاً موضوعياً لكيفية تعامل إعلامنا مع خطاب الكراهية وكيفَ تَناوله، وبأي أسلوب فنده، وضمن أي سياق منطقي جادله وناقضه؛ لعلنا نتبين ما إذا كانت مؤسساتنا الإعلامية على مختلف أشكالها نداً قادراً على منازلة خطاب الكراهية هذا. أيها الإخوة والأخوات، ونحن في خضم مواجهة خطابي التطرف من داخلنا، وخطاب الكراهية من خارجنا، نجد أن أمامنا تحدٍ آخر، وهو انسياق بعض أجهزة الإعلام وفي بعض الدول الأعضاء في حملات إعلامية شرسة ومتكررة ومستمرة نحو دول أعضاء أخرى. ولا أحد هنا، وعلى التأكيد لا أحد في الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، يجادل في الحق في تناول القضايا العامة بوضوح وشفافية ونظرة نقدية، لكننا نجادل كل الجدل، أن ينصرف إعلامنا إلى النقد والتجريح والإساءة لمجتمعات مسلمة أخرى لا لسبب إلا لاختلاف سياسي هو عابر بالضرورة وفي سياق التاريخ. ولقد بات علينا أن نعيد النظر فيما طرح على مؤتمركم هذا في جلستيه السابعة والثامنة كمشروع لمدونة للسلوك الإعلامي للمؤسسات الإعلامية، وللخطاب الإعلامي في الدول الأعضاء. وهي المدونة التي لم يكتب لها أن ترى النور لتحفظ بعض الدول الأعضاء عليها على أساس أنها وثيقة تقيد حرية الإعلام. والوثيقة في ذاتها ليست مهمة في نصها، المهم أن نستطيع أن نتفق على إطار شرف تحكمه شروط المهنية للطرح الإعلامي حتى لا يتدنى لدرك من الإسفاف لا يستفيد منه أحد، ويخدم خطاب الكراهية الذي يواجهنا، ويشكل واجهة مؤسفة لسلوك بعض مؤسساتنا الإعلامية. أصحاب المعالي والسعادة، الإخوة والأخوات، إنّ الإعلام وهو مطالب بمواجهة هذه التحديات، مطالب أيضاً أن يمثل الخطاب الواعي، وليس المثير والصارخ، ليواكب، وربما ليسبق، التطور الطبيعي في المجتمعات نحو الإصلاح والتقدم والتمسك بالقيم الإسلامية الكبرى من عدل ومساواة وحرية عبادة وحرية رأي، ومشاركة في القرارات العامة. كما أنه مطالب أيضاً ليتصدى للعنصرية وسياسات "الأبرتايد" التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وانتهاكاتها للمسجد الأقصى، والتي تتجسد فيها أبشع صور خطاب الكراهية. كما أنّ إعلامنا مطالب، بل من واجبه، أن يوجه اهتماماً أكبر لأحداث العالم الإسلامي حتى تزيد معرفتنا بعضنا ببعض، ونفكك الصور النمطية التي قد يحملها بعضنا عن بعضنا الآخر. ولعل حتى النظرة العابرة ستوضح لنا مدى عزوف إعلامنا عن تغطية ومتابعة ما يحدث على الساحة الإسلامية من أحداث سياسية واقتصادية وثقافية وفنية ورياضية. أصحابَ المعالي الوزراء، أصحابَ السعادة، أيها الحضور الكريم، لقد طرحنا على هذه الدورة عدداً من مشاريع القرارات التي من شأنها الإسهام في تكامل والارتقاء بالعمل الإعلامي الإسلامي وتعزيز التنسيق في الشؤون الإعلامية في إطار المنظمة. ومن أول مشاريع هذه القرارات ما يتعلق بدور الإعلام في مساندة مدينة القدس الشريف والقضية الفلسطينية، بما في ذلك توفير الدعم للبنية التحتية لقطاع الإعلام في دولة فلسطين؛ ومنها ما يتوجه نحو إقامة برامج ومشاريع إعلامية مشتركة للإسهام في التصدي للصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين؛ وكذلك دعم عمل مؤسسات العمل الإسلامي المشترك في فتح آفاق الحوار والتبادل الثقافي؛ وتعزيز قدرة ومنتوجية الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية في الدول الأعضاء عبر تبادل الزيارات المهنية والإنتاج المشترك للبرامج الإعلامية المتنوعة، ودعم إدارة الإعلام في الأمانة العامة للمنظمة بما يلزم لتمكينها من القيام بمهامها باقتدار. ولا شك في أن العمل الإعلامي الإسلامي المشترك في إطار منظمة التعاون الإسلامي يستدعي منا الأخذ في الحسبان جغرافية دول العالم الإسلامي السبع والخمسين الشاسعة التي تمتد من إندونيسيا شرقاً إلى غويانا وسورينام في منطقة الكاريبي غرباً، فضلاً عن المجتمعات المسلمة في الدول غير الأعضاء، والنظر في الإمكانيات البشرية والمادية المحدودة المرصودة لقطاع الإعلام بالأمانة العامة للمنظمة ولدى مؤسسات العمل الإعلامي الإسلامي المشترك التي لا تزال تقاوم لمجرد البقاء والاستمرارية ناهيك عن الانطلاق في تطوير عملها الإعلامي. ويحدوني الأمل في أن يوفق مؤتمرنا هذا في بلورة رؤية واضحة تتضمن آليات التنفيذ الدقيقة والمتابعة المتواصلة من أجل وضع قرارات هذه الدورة موضع التنفيذ العملي. أصحاب المعالي والسعادة، الإخوة والأخوات، إنّ منظمة التعاون الإسلامي ممثلة في قمتها، ومجلس وزراء خارجيتها، والمجالس الوزارية القطاعية، ومجلس مندوبيها، وأمانتها العامة، وأجهزتها المختلفة تولي الشأن الإعلامي كل الاهتمام، وصدرت منها العديد من القرارات التي من شأنها لو طُبقت أن توجد المنصات والقنوات والفرص لنستطيع سوية أن نواجه التحدي الإعلامي الذي يطل علينا من كل جانب. ولا حاجة في أن أشير أمام جمعكم الموقر، إلى دور الإعلام في تشكيل الضمير العالمي، وفي إرساء صور نمطية لقضايا العالم، وفي تأطير حراك المجتمعات، وفي التأثير على الرأي والقناعات العامة. لذا، فنحن مطالبون أن نبحث ونتابع بجدية ما تم اتخاذه من قرارات تخص الشأن الإعلامي ونراجع ما يستدعي تطور الأمور مراجعته، ونحدِّث ما بات واجباً تحديثه، وقبل ذلك كله أن نوفر الإمكانات المادية والاعتبارية والتنظيمية التي تحيل تلك القرارات إلى واقع يُمارس على الأرض. ونأمل أن يكون في "ترويكا" هذا المجلس لجنة وزارية تتابع هذه القرارات وتعمل على تفعليها والتمكين من تنفيذها؛ وفي مقدمتها وكالة الأنباء الإسلامية الدولية، واتحاد الإذاعات الإسلامية. أرجو أن تُـتَـوَّج أعمال هذا المؤتمر بنتائج مثمرة ترقى إلى مستوى الآمال والتطلعات، وأن تكون على قدر الطموحات، بما يسهم في تعزيز وتسريع عملية تطوير العمل الإسلامي المشترك في مجال الإعلام دفاعاً عن قضايا الأمة الإسلامية وخدمة مصالحها ومواجهة التحديات المحدقة بها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.